الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
227
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
المسلمون بتضحيات الفدائيين الثائرين ودماء الشهداء الطاهرة ، في الوقت الذي يعيش هنا وهناك أناس في غاية العسرة والشظف . وبغض النظر عن ذلك ، فإن النبي ( صلى الله عليه وآله ) يجب أن لا يكون لوحده أسوة للناس بحكم الآيات السابقة ، بل يجب أن تكون عائلته أسوة لباقي العوائل أيضا ، ونساؤه قدوة للنساء المؤمنات حتى تقوم القيامة ، فليس النبي ( صلى الله عليه وآله ) ملكا وإمبراطورا ليكون له جناح خاص للنساء ، ويغرق نساءه بالحلي والمجوهرات الثمينة النفيسة . وربما كان هناك جماعة من المسلمين المهاجرين الذين وردوا المدينة لا يزالون يقضون ليلهم على الصفة ( وهي مكان خاص كان إلى جنب مسجد النبي ) حتى الصباح ، ولم يكن لهم في تلك المدينة أهل ولا دار ، وفي مثل هذه الأحوال لا يمكن أن يسمح النبي ( صلى الله عليه وآله ) لأزواجه أن يتوقعن كل تلك الرفاهية والتوقعات الأخرى . ويستفاد من بعض الروايات أن بعض أزواجه قد كلمنه بكلام خشن جاف ، حتى أنهن قلن : لعلك تظن إن طلقتنا لا نجد زوجا من قومنا غيرك ( 1 ) . هنا أمر النبي ( صلى الله عليه وآله ) أن يواجه هذه المسألة بحزم تام ، ويوضح لهن حاله الدائمي ، فخاطبت الآية الأولى من الآيات أعلاه النبي ( صلى الله عليه وآله ) وقالت : يا أيها النبي قل لأزواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها فتعالين أمتعكن وأسرحكن سراحا جميلا . " أمتعكن " من مادة متعة ، وكما قلنا في الآية ( 236 ) من سورة البقرة ، فإنها تعني الهدية التي تلائم أحوال المرأة . والمراد هنا المقدار المناسب الذي يضاف على المهر ، وإن لم يكن المهر معينا فإنه يعطيها هدية لائقة بحالها بحيث ترضيها وتسرها ، ويتم طلاقها وفراقها في جو هادئ مفعم بالحب . " السراح " في الأصل من مادة ( سرح ) أي الشجرة التي لها ورق وثمر ، و
--> 1 - كنز العرفان ، المجلد 2 ، ص 238 .